الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله ((المنان)) من أوصاف جمال وصفات كمال: -
الله سبحانه هو: -
المنان كثير العطاء، عظيم المواهب، واسع الإحسان، يدر العطاء على عباده، ويوالي النعماء عليهم، فلا يبلغون شكرها فضلا عن إحصائها ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم﴾ [النحل: ١٨]
المنان الذي شهدت الخليقة كلها برها وفاجرها بإحسانه وعظيم نواله، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وسعة رحمته وبره ولطفه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، كل ذلك تفضلا منه وتكرما ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨] لا طلبا لأجر أو رزقا، قال تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٧] [طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، (ص: ١٣٢)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر، (ص: ٣٤٣).]
المنان المحسن إلى العباد والمنعم عليهم من غير أن يطلب الجزاء على إحسانه إليهم، بل من عظيم إحسانه أوجب لعباده حقا عليه، مِنّة منه وتكرّما إن هم وحّدوه في العبادة ولم يشركوا به شيئا، فعن معاذ بن جبل قال: كنت ردف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: «يا معاذ بن جبل »، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ بن جبل »، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ بن جبل »، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: «هل تدري ما حق الله على العباد»؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا»، ثم سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ بن جبل»، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك»؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم».
المنان الذي يمن على عباده بما أعطى وأولى، له المنة ولا منة لأحد عليه، المنان على الإطلاق، قال القرطبي: ((فيجب على كل مسلم أن يعلم أن لا منان على الإطلاق إلا الله وحده، الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال)) [تفسير القرطبي (١٦/ ٩٤).]
المنان قد مَنّ على عباده بنعمه العظيمة، وعطاياه الكريمة، ومن ذلك:
منته على عباده المؤمنين بالهداية لهذا الدين، والإخراج من ظلمات الشرك والكفر برب العالمين، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:94]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١]، وقال جل شأنه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
وهذه النعمة والمنة أعظم منة يمن الله بها على عباده، قال ابن القيم موضحا لها: ((وهدايته خاصته وعباده إلى سبل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه … وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانا، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم لا بخلا منه عليهم، وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال … وصرف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه)) [طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ١٣٢).]
منته على هذه الأمة ببعث رسول الله ﷺ لهم، صفوة رسله وخيرة أنبيائه ﷺ قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:164]، وقال جل جلاله: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
وقد ذكّر رسول الله ﷺ الأنصار بهذه المنة العظيمة، فقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أَمّنّ. قال ابن حجر في الفتح-: «وقد رتب ﷺ ما مَنّ الله عليهم على يده من النعم ترتيبا بالغا، فبدأ بنعمة الإيمان- التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا- وثَنّى بنعمة الألفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن الأموال تبذل في تحصيلها وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع؛ لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها، فزال ذلك كله بالإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] [فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٥٠).]
منته على أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين بالتمكين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٤ – ١١٨]، وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ – ٦]
منته على يوسف بعدم تضييع صبره وتقواه، بل أورثه حسن العاقبة والتمكين في الأرض، قال تعالى عن يوسف عليه وسلم متذكرا هذه المنة: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠].
منته على عباده المؤمنين بدخول الجنة، والنجاة من النار، قال تعالى حاكيا عن أهل الجنة استشعارهم لهذه المنة العظيمة والعطية الجزيلة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور٢٦–٢٨]، وقال تعالى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] [ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣٤٣ - ٣٤٥).]
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المنان) على التوحيد:
إذا عرف العبد ربه باسمه المنان، وعلم أنه وحده وليّ المن والعطاء، صاحب الهبة والنعماء، صغيرها وكبيرها ظاهرها وباطنها منه وحده، لا يشاركه فيها أحد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣] [ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: 346]، علم أنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا هو وقد نبه الله عباده على هذا المعنى، فقال: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٥١- ٥٤].
قال السعدي: ((يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم والوحدانية، فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ …﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ من أهل الأرض أو أهل السماوات، فإنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا، والله المنفرد بالعطاء والإحسان ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ﴾ ظاهرة وباطنة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا أحد يشركه فيها، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ من فقر ومرض وشدة ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: تضجون بالدعاء والتضرع لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده)) [تفسير السعدي (ص: ٤٤٢).]
وذم سبحانه المشركين على عبادتهم لغيره مع أنه المنعم، فقال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل:٨٣] قال ابن كثير: -((يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره)) [تفسير ابن كثير (٤/ ٥٩٢).]
الأثر الثالث: التوكل على الله المنان
إذا عرف العبد اسم الله (المنان) وأن ما يتقلب فيه من النعيم من أثر منته عليه لا بحوله وقوته ولا بحول وقوة مخلوق مثله، وإنما المنة لله وحده؛ أورثه ذلك التطامن والاعتراف بالضعف والنقص والعجز، وأنه لو وكل إلى نفسه أو غيره طرفة عين لخاب وخسر وهلك.
قال ابن القيم: ((إذا وصل إلى القلب نور صفة المنة، وشهد معنى اسمه (المنان)؛ وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه (الأول) ذهل القلب والنفس به؛ وصار العبد فقيرا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، فصار مقطوعا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه)) [طريق الهجرتين، لابن القيم، (ص: ٥٧).]
وهذا يثمر في قلب العبد التوكل على الله، والتعلق به، وقطع التعلق بالأسباب والركون إليها؛ فالأسباب إنما أثرت ونفعت بمنته وإذنه، ولولا ذلك لم تجد على فاعلها شيئا.
فالمانّ بكل خير هو الله وحده مسبب الأسباب، والقاهر لكل شيء، والفعال لما يريد فوجب التوكل عليه وحده وتفويض الأمور إليه.
الأثر الرابع: محبة الله المنان
إذا تدبر المرء في اسم الله (المنان) وتأمل في عظيم مواهبه، وكثير عطاياه ومنحه، وما أسبغ به على العباد من النعم مع كثرة معاصيهم وذنوبهم؛ أوجب له ذلك محبته والشوق إليه؛ فإن القلوب فطرت على محبة من يحسن إليها، ولا أعظم إحسانا وإنعاما من المنان.
الأثر الخامس: شكر الله المنان
إذا تأمل العبد في اسم الله (المنان)، وتفكر فيما منّ عليه به من الهداية للإسلام، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتكريمه بالعقل، والسمع والبصر، والصحة والمعافاة، والأمن والاستقرار، إلى غير ذلك من ألوان النعم والمنن التي تفضل بها المنان قبل السؤال والطلب؛ أوجب له ذلك حمده على نعمه، وشكره علي آلائه ومننه بالقلب واللسان والجوارح، وإعمالها في طاعته والتقرب إليه، وحفظها من أن تستعمل في معصيته، أو أن تنسب لأحد غيره، قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل:٨٣]، أي: بإضافتهم النعمة إلى غير المنعم. [ينظر: فقه الاسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣٤٦).
الأثر السادس: المنة لله سبحانه
المنة بالعطية إنما تكون لله وحده، وليست لأحد من الخلق؛ لذا نهى الله ورسوله ﷺ أن يتصف المؤمن بها وأن يؤذي الخلق بهذا الخلق الذميم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:264] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦]، قال ابن عباس: لا تعط العطية؛ تلتمس أكثر منها [تفسير ابن كثير (٨/ ٢٦٤).]
قال السعدي: ((لا تمنن على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فتتكثر بتلك المنة، وترى لك الفضل عليهم بإحسانك المنة، بل أحسن إلى الناس مهما أمكنك، وانس عندهم إحسانك، ولا تطلب أجره إلا من الله تعالى، واجعل من أحسنت إليه وغيره على حد سواء)) [تفسير السعدي (ص: ٨٩٥).]
قال ﷺ: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) وقال أيضا ﷺ: (لا يدخل الجنة منان))
وعلة هذا النهي بيّنها ابن القيم، فقال: وحظر الله على عباده المن بالصنيعة، واختص به صفة لنفسه؛ لأن من العباد تكدير وتعيير، ومن الله إفضال وتذكير، وأيضا: فإنه هو المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط، فهو المنعم على عبده في الحقيقة.
وأيضا فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يمن عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.
وأيضا فالمنة أن يشهد المعطي أنه رب الفضل والإنعام، وأنه ولي النعمة ومسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا لله.
وأيضا فالمان بعطائه يشهد نفسه مترفعا على الآخذ، مستعليا عليه، غنيا عنه عزيزا، ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته، ولا ينبغي ذلك للعبد.
وأيضا فإن المعطي قد تولى الله ثوابه، ورد عليه أضعاف ما أعطى، فبقي عوض ما أعطى عند الله، فأي حق بقي له قبل الآخذ؟ فإذا امتن عليه فقد ظلمه ظلما بينا، وادعى أن حقه في قلبه، ومن هنا- والله أعلم- بطلت صدقته بالمن؛ فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله، وعوض تلك الصدقة عنده، فلم يرض به، ولاحظ العوض من الآخذ، والمعاملة عنده، فمن عليه بما أعطاه؛ أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له)) [طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٣٦٦).]
واتصاف المخلوق بالمنة على نوعين أوضحهما ابن القيم -أيضا- في كلامه عن المنفقين وأنواعهم، حيث قال: ((فالمن نوعان:
أحدهما: مَنّ بقلبه، من غير أن يصرح به في لسانه، وهذا إن لم يبطل الصدقة، فهو من نقصان شهود منة الله عليه في إعطائه المال وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه، فلله المنة عليه من كل وجه، فكيف يشهد قلبه منة غيره.
الثاني: أن يمن عليه بلسانه، فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه، ويريه أنه اصطنعه، وأنه أوجب عليه حقا وطوقه منة في عنقه، فيقول: أما أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده، قال سفيان: (يقول: أعطيتك فما شكرت)، وقال عبد الرحمن بن زياد: (كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا، ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه).
وكانوا يقولون: (إذا اصطنعتم صنيعة فانسوها، وإذا أسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها) [طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٣٦٦).]
الأثر السابع: سؤال المنان من واسع فضله والتوسل إليه باسم المنان
إذا علم العبد اسم الله المنان وما يحويه من عظيم المنن والنعم، مع ما رغب به عباده من سؤاله والتوسل إليه بأسمائه وصفاته ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ حرص على أن يكون لاسم الله (المنان) نصيب من دعائه.
وقد ورد دعاء الله باسمه (المنان) في السنة النبوية، - حديث سيدنا أنس، أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ: «لقد دعا الله باسمه العظيم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
ومن دعاء العبادة أن يسمي المسلم نفسه أو ولده بعبد المنان محبة في هذا الاسم وبخصوص التسمية بعبد المنان فلم يتسم به أحد من السلف والخلف في مجال ما أجرينا عليه البحث، ووجد في محركات البحث على الإنترنت بعضا ممن تسمى به في هذا العصر.
اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم: أن تمن علينا بالخير، والإحسان، واليقين، والإيمان، وأن تجعلنا من أهل القرآن، وأن ترزقنا دوام ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.